مقدمة
نحو دقيقتين قراءة
في حياة كل ابن صباحٌ لا يشبه ما قبله. يستيقظ الولد فيجد في ملابسه أثرًا لم يعرفه من قبل، أو تخرج البنت من الحمام بوجه شاحب لأنها رأت دمًا لا تفهم سببه. في تلك اللحظة الصغيرة يتحدد أمر كبير: هل سيأتي إليك؟ أم سيغلق الباب ويسأل هاتفه؟
أنا أب لأربعة أبناء، وأجلس منذ سنوات مع آباء وأمهات ومراهقين. ووجدت أن أكثر ما يؤلم في ملف البلوغ ليس نقص المعلومات؛ فالمعلومات اليوم في كل مكان. الذي يؤلم هو الصمت: أبٌ يعرف أن ابنه كبر، فيكتفي بالنظر إليه من بعيد. وأمٌّ تلاحظ تغيّر ابنتها، فتؤجل الحديث حتى «يأتي وقته»، ثم يأتي الوقت قبلها.
كتبت هذا الكتاب لك أنت: الأب الذي لا يعرف من أين يبدأ، والأم التي تخشى أن تقول كلمة زائدة أو ناقصة، والمربي الذي يرى في عيون طلابه أسئلة لا يجرؤون على طرحها. والكتاب لا يعطيك معلومات تحفظها، وإنما يعطيك خطوات تفعلها: ماذا تقول، ومتى، وكيف، وما الذي تفعله إذا جرى الأمر على غير ما خططت.
لماذا «من البلوغ إلى الرُّشد»؟
لأن البلوغ يأتي وحده، بموعد كتبه الله في جسد كل إنسان. أما الرشد فلا يأتي وحده؛ بل نصنعه نحن معهم بالتعليم والتدريب والصبر. وقد فرّق القرآن بين الأمرين تفريقًا واضحًا:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾
فالبلوغ موعد في الجسد، والرشد ثمرة في العقل والقلب والسلوك. ومهمتنا في هذه الرحلة أن نعبر بأبنائنا المسافة بين الاثنين: من جسد بلغ، إلى إنسان رشيد يعرف ربه ونفسه وحدوده، ويحسن الاختيار حين لا يراه أحد. وهذا جوهر ما نعمل عليه في منهجية «رُشد»: أن نبني في الابن وازعًا داخليًّا يقوده، لا رقابة خارجية تلاحقه.
ما الذي ستجده هنا؟
ستجد مرجعية واضحة نحتكم فيها إلى الوحي، مع الاستفادة من المعرفة الطبية والتربوية الموثوقة. وستجد لغة هادئة لا تخدش الحياء ولا تهرب من الحقيقة. وستجد مواقف من الواقع وجملًا جاهزة تقولها لابنك. وقد حرصت ألا أضع رقمًا أو نسبة إلا وأعرف مصدرها، وأن أشير إلى مواضع الخلاف الفقهي حيث يوجد، وأن أنبهك إلى المواقف التي تحتاج فيها طبيبًا أو مختصًّا أو مفتيًا.
ولست أعدك بأبناء لا يخطئون؛ فهذا وعد لا يملكه أحد. لكني أرجو أن تخرج من هذا الكتاب وأنت أكثر طمأنينة، وأقرب إلى أبنائك، وأقدر على أن تكون المرجع الأول الذي يعودون إليه، مهما كبروا ومهما أخطؤوا.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يصلح به بيوتنا وأبناءنا.
عماد حجازي